ابن عربي

244

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

به ، وأحدقت بالجميع صور لم أر أحسن منها ولا أجمل ، وعليهم من نفائس الجواهر واللآلئ ما لا أستطيع وصفه ، ولا أحسن العبارة عن نقشه ، وعلى رأس أبي مدين ثلاثة ألوية من نور ، مركوز واحد عن يمينه مكتوب عليه : حسبي اللّه ، وواحد على رأسه وهو أعلاها مكتوب عليه : اللّه ، والآخر على يساره مكتوب عليه : لا حول ولا قوة إلا باللّه . فقال أبو حامد لأبي مدين : يا شيخ ، تكلم لنا على هذه الأسماء المكتوبة على هذه الألوية ، فقال الشيخ : أما هذا الاسم الذي هو اللّه ، فهو الاسم الأعظم الذي هو رأس الأسماء ، وإليه يرجع كل معنى ، وهو المنزّه المتبوع الذي به ظهرت المخلوقات ، وعليه أسست الأرضون والسماوات ، وعنه صدرت الأسماء والصفات ، فالمصنوعات بأسرها من العرش إلى الثرى تشهد بأنه موجدها ، وما من ذرّة في الأرض ولا في السماء ولا رطب ولا يابس إلا وهو معها . فقال له أبو حامد : فما معنى حسبي اللّه ؟ فقال : هو أمن وأمان من أن تغدو عليه النيران ، فمن تخلّق به سلم وصفا ، وكان ممن وفا حين وفا . فقال : ما معنى لا حول ولا قوة إلا باللّه ؟ فقال : هو التبرّي من باطن الأحوال ، وردّها إلى ظاهر الأقوال والأفعال ، ثم ردّها إلى ذي الكلام والجلال . فهذه وما عداها راجعة إلى الاسم الأعظم الذي هو مبدأها ومنتهاها ، فهو الاسم الذي حنّ به بعض كل شيء إلى بعض ، وهو نور السماوات والأرض ، فإذا تجلى من نوره لمعه كان اللّه ولا شيء معه ، ثم قال له : قل لنا في التوحيد شيئا . فقال : التوحيد سرّي ، ووطني ، ومستقرّي ، وسكني ، وهو مبدأي ، ومنتهاي ، وهو الأساس لبناي ، خصّني اللّه منه بفضائل ، وأكرمني منه بدلائل ، إن نزعت إلى سبب من الأسباب نوديت : اذكر ربك لا تذكر الأسباب . فالتوحيد يجلي كل ظلمة ، وهو الرافع لكل ذي همة ، هو القطب الذي عليه المدار ، وبه أشرق الوجود واستنار . ثم قال أبو حامد : ما هي مادة اللّه في الوجود ؟ فقال : مادة اللّه في الوجود تسري ، وعلى ما سبقت به المقادير تجري ، قد سترها الغيب ، فهي منزّهة عن النقص والعيب ، فقد أخفاها اللّه سبحانه عن الكائن والبائن ، وجفّ القلم بما هو كائن فسترها عن خلقه من وجوه الرحمة والعطف ، وتغيّبها عنهم من كمال الجود واللطف . ولنا من باب الرموز والإشارات العلوية : قالت عجبت لصبّ من محاسنه * يختال ما بين أزهار ببستان فقلت لا تعجبي مما ترين فقد * أبصرت نفسك في مرآة إنسان ولنا من باب اللطائف الربانية :